اللغة العربية.. لغة العلوم والتقنية

اللغة العربية.. لغة العلوم والتقنية 

نعم هي كذلك، هي لغة العلوم والتقنية، ولا نقول ذلك تعصبا وانتصارا، وإن كنا لا نُخفي اعتزازنا بلغتنا وحبنا لها، ولكن نقوله تقريرا لحقيقة لا نشك فيها، ولدينا الأدلة القاطعة عليها، وهي أدلة تنطلق من ثلاثة محاور:
الأول هو خصائص لغتنا ومزاياها الفريدة، والثاني هو مسيرتها التاريخية كلغة للعلم والعلوم، والثالث هو حاضرها الذي نعيشه اليوم، والذي نزعم أنها أثبتت فيه قدرتها على أن تصلح لتكون لغة علم في حاضرها كما كانت في ماضيها.
أما مزاياها الفريدة وما تتمتع به من غنى في الألفاظ وقدرة على توليد المصطلحات والمفردات الجديدة، فأمر تضيق المقالات عن شرحه، ونكتفي بأطراف مختصرة منه في هذا المقال، على أن نتناول المحورين الآخرين، في مقالات قادمة إن شاء الله.


الاشتقاق ثروة لا تنضب
من أهم خصائص لغتنا ومزاياها الفريدة، تلك القابلية الهائلة على توليد الألفاظ الجديدة بالاشتقاق، وهي مزية قد توجد في بعض اللغات الأخرى، ولا سيما السامية، ولكنها في لغتنا لها ثلاث خصائص فريدة لا توجد في غيرها:
الخصيصة الأولى: أن عدد الاشتقاقات التي يمكن توليدها من جذر واحد لا يماثله عددها في أية لغة أخرى، وهذا يعطي اللغة العربية غنى هائلاً في الألفاظ، فقد أحصى العلماء مثلاً للجذر (كتب) ما يقارب ثلاثين مشتقاً، ويكفي مقارنة ذلك بمشتقات كلمة (Write) الإنجليزية التي هي أقل من عشرة مشتقات، لنعلم أهمية هذه الميزة.
والخصيصة الثانية : للاشتقاق في لغتنا، قرينة للخصيصة الأولى ومكملة لها، وكلاهما معا يعطيان اللغة مرونة لا تقارن بغيرها، تلك هي: أوزان ومعاني المشتقات، ذلك لأن كل اشتقاق له وزن، وكل وزن يدل على معنى معين، فمثلا، وزن "مَفعَل" يدل على اسم مكان، مثل متحف، مرسم، مخبز، وأوزان مثل "مِفعَلة، فاعول" تدل على اسم آلة، مثل "مكنسة، طاحون"، وهكذا. أما اللغات الأخرى "فلم تبلغ مبلغها في ضبط المشتقات بالموازين، التي تسري على جميع أجزائها، وتوفق أحسن التوفيق المستطاع بين مبانيها ومعانيها"، كما يقول عباس محمود العقاد في كتابه "اللغة الشاعرة".
والخصيصة الثالثة للاشتقاق: أنها "تجعل من اللغة جسماً حياً تتوالد أجزاؤه ويتصل بعضها ببعض بأواصر واضحة، تغني عن عدد ضخم من الكلمات المفككة المنعزلة"، كما يقول الدكتور حيدر نعمة في بحث بعنوان "ظاهرة الاشتقاق".
فمثلاً، في اللغة العربية هناك صلة في المعنى والمبنى بين كلمتي "كتاب" و"مكتبة" وبين الجذر "كتب"، أما في الإنجليزية، فلا صلة بين الجذر write وبين كلمة book بمعنى كتاب وكلمة library بمعنى مكتبة.

المجاز وأثره في توليد الكلمات
ومن خصائص هذه اللغة العظيمة، أن الكلمة تحتفظ بدلالتها المجازية، ودلالتها العلمية الواقعية في وقت واحد، بغير لبس بين التعبيرين، فعندما نقول في الطب مثلاً: "فلان مريض بالتهاب اللوزتين"، يفهم السامع المجاز المقصود بمصطلح "التهاب"، فهو ليس الالتهاب الناتج عن حريق، ولا تفقد الكلمة معناها الأصلي، لأننا يمكن أن نقول أيضاً: "إن التهاب هذا الموقد لا يكفي لإنضاج الطعام"، فيفهم السامع العربي بسليقته أن الالتهاب هنا هو المعنى الأصلي لا المجازي، وهذا يعطي اللغة ثراء هائلا في التعابير، وقدرة على استخدام ألفاظ موجودة في اللغة، في التعبير عن كلمات جديدة طارئة لم تكن معروفة، مع بقاء المعنى الأصلي مستخدماً.

 لغتنا تتطور ولكن لا تتغير
إن هذه الخصائص المدهشة للغتنا العظيمة، وغيرها مما يضيق المقام عن ذكره، قد وهبت لغتنا مرونة فريدة عجيبة، مع المحافظة على أصولها، فهي لغة تتطور ولكن لا تتغير، وكمثال بسيط، دعونا نقرأ النص القصير التالي: "أقلعت الطائرة بنا من مدرج مطار دبي، في رحلة إلى دمشق، وكانت لدينا تذاكر رقمية، وفرت علينا كثيرا من الانتظار، وقد بثت شركة الطيران عرضاً يشرح قواعد السلامة، وضرورة إغلاق هواتفنا النقالة، وحواسيبنا. وقد حطت بنا الطائرة في مطار دمشق بعد ثلاث ساعات، وكان هبوطا مريحاً".
لا يشك أحد في أن جميع كلمات هذا النص القصير، عربية أصيلة، جذورها موجودة في معاجم اللغة، غير أن المتأمل فيها يرى أن أكثر من ربعها هي كلمات لها معان جديدة لم تكن معروفة، وهي: "طائرة، مطار، مدرج، تذاكر، بثت، عرض، رقمية، هواتف، شركة، حواسيب، حطت، هبوط"، وهذه مرونة وقدرة على توليد الألفاظ مع المحافظة على اللغة عبر الأجيال، لا تعرفها أية لغة أخرى في العالم، لذلك تمكنت اللغة العربية من أن تكون بحق لغة العلوم والتقنية، في ماضيها الزاهر، وواقعها الحاضر، كما سنبين في المقالات القادمة بعون الله.
استعرضنا في المقال الماضي بإيجاز بعضاً من الميزات الفريد للغتنا العربية، والتي تجعلها أهلا بحق لأن تكون لغة العلوم والتقنية، ونتناول في هذا المقال، كما وعدنا قراءنا الكرام، المسيرة التاريخية للغتنا العربية بوصفها لغة للعلم والعلماء، فنقول بعد التوكل على الله:
إن تلك المسيرة كانت مسيرة مظفرة فريدة لا تكاد تعرف نظيرها لغة أخرى، فقد نشأت العربية في الصحراء، في مجتمع لا يكاد يعرف أهله من حضارة زمانهم إلا اليسير، وكانوا يعيشون حالة تخلف كبير عن الأمم القائمة آنذاك، مثل الفارسية والرومية، ولم نكن نجد في تراثهم شيئا يذكر ذا صلة بالعلم والعلوم، وكان كل ما وصلنا من محصولهم الفكري هو شعرهم، الذي يدور حول الحب والغزل، والبكاء على الأطلال، ووصف الناقة والفرس والسيف، والفخر والمديح والهجاء، وغير ذلك من الأغراض المعروفة للشعر الجاهلي.

الثورة اللغوية التاريخية
فلما أشرقت الجزيرة العربية بنور الإسلام، ونزل كتاب الله بلسان عربي مبين، بدا واضحاً أن عناية الله تعالى قد أحاطت بهذه اللغة وجعلتها أهلا لتكون لغة كتابه المعجز، كما أن نزول القرآن الكريم باللغة العربية "منح اللفظ العربي امتداداً في المدلول، عندما عبر بألفاظ كان العرب يعرفونها عن معان جديدة لم يكونوا يعرفونها، فأحدث ثورة لغوية لم تشهدها لغة من لغات البشر على امتداد التاريخ"، كما يقول الدكتور عبد الصبور شاهين في كتابه النفيس "العربية لغة العلوم والتقنية"، (وقد استعرت اسم هذا الكتاب عنوانا لهذه السلسلة من المقالات).
ويضيف الدكتور شاهين "إن القرآن حين وسع الدلالة اللفظية، منح ألفاظ اللغة مرونة هائلة وصلاحية باهرة للتعبير عن مختلف المعاني الطارئة في حياة الناس، لقد فك الألفاظ من إسارها وأطلقها من عقالها وقال لها: انطلقي في هذه الدنيا فعبري عن كل ما تصادفين من واقع أو إبداع حضاري، وبذلك اتسعت العربية لكل مستحدث في العلم، أو مستنبط من الفكر".
ليس هذا كلاما نظريا، لأن كل ما واجهته العربية في تاريخها منذ نزول القرآن إلى يومنا هذا يصدقه ويثبته، فها هي اللغة العربية قد استوعبت بشكل عجيب مدهش كل مصطلحات المحصول الفكري الهائل للدين الإسلامي، الذي تفرع عن أصليه الأساسيين القرآن الكريم والسنة الشريفة عشرات العلوم الجديدة، كالفقه والفرائض والأصول ومصطلح الحديث وغيرها كثير، فنجحت لغتنا بتوفير عشرات الآلاف من المصطلحات الجديدة عن طريق الاشتقاق والتوليد والنحت والمجاز، وغير ذلك من الوسائل التي ليس هذا مجال التفصيل فيها.

ثورة المصطلحات العلمية العربية
حتى إذا انساح الفاتحون المسلمون في الأرض، ووقعوا على كنوز العلوم القديمة، من فارسية وهندية ويونانية ورومانية، نشأت حركة ترجمة غير مسبوقة، ابتداء من القرن الثاني للهجرة، وكان ذلك امتحانا جديدا للغة الصحراء، فما خذلت تلك اللغة أهلها.
المترجمون العرب، وكثير منهم كان عالما في مجاله، مثل ابن سينا والرازي وحنين بن عباد وغيرهم كثير كثير، تمكنوا بفضل مرونة اللغة العربية وخصائصها الذاتية، وبفضل علمهم الغزير وعبقريتهم وحبهم للغتهم العظيمة، من ترجمة التراث العلمي السابق على عصرهم، وتوليد الآلاف المؤلفة من المصطلحات العلمية الجديدة باللغة العربية، وكثير منها ما زال مستعملا حتى اليوم.
وقد استخرج الدكتور عبد الصبور شاهين معجما كاملا لأمراض العين وأوصاف أجزائها من كتاب القانون لابن سينا، علما بأن 90% من أسماء الكواكب والنجوم المعروفة اليوم قد تمت تسميتها بأسماء عربية بواسطة الفلكيين العرب، ولو أردنا ضرب الأمثلة لما وسعتنا الكتب والمجلدات.

العربية لغة العلم العالمية
وما لبثت اللغة العربية أن أصبحت هي لغة العلم والعلوم على امتداد العالم، وأصبح على من يريد تعلم الطب والهندسة في أوروبا وفي أي بقعة من العالم، أن يقصد بغداد أو قرطبة ليتعلم العربية أولا، فإن أتقنها ونجح في امتحان الكفاءة فيها (بما يشبه اليوم امتحان التوفل للغة الإنجليزية)، باشر تعلم ما يريد من علوم الطب والهندسة والفيزياء والكيمياء والفلك وغيرها.
وبقيت العربية هي لغة العلم الأولى في العالم لقرون عديدة، إلى أن بدأت شمس حضارتنا تغرب في القرون الوسطى، بعد سقوط الأندلس، لتشرق في أوروبا.
وكان أول ما قامت به أوروبا في فجر نهضتها أواخر القرون الوسطى أن شرعت بترجمة التراث العلمي العربي من العربية إلى اللاتينية التي كانت سائدة آنذاك، وأصبح الهم الأول للجامعات والمعاهد الأجنبية في عصر نهضتهم (الذي كان للأسف عصر انحطاط لنا) الحصول على المخطوطات العلمية العربية لترجمتها، وما زالت مئات الآلاف من تلك المخطوطات موجودة في مكتباتهم حتى يوما هذا، وفيها من الكنوز ما لا يعلمه إلا الله.
تلك كانت لمحة خاطفة عن مسيرة اللغة العربية التاريخية، وتألقها وتميزها كلغة للعلم، نجحت باقتدار في أن تكون لغة العالم العلمية الأولى على مدى يقارب عشرة قرون من الزمان.

وماذا بعد؟
إن مسيرة لغتنا التاريخية المظفرة، كلغة للعلم والعلوم، تبعها سبات حضاري، يسميه المؤرخون عصر الانحطاط، أفاقت أمتنا منه أوائل القرن التاسع عشر، لتجد أن الدنيا قد تغيرت، وأن هناك فجوة علمية هائلة بينها وبين الغرب، وأنها صبحت مستوردة للعلم بعد أن كانت مصدرة له، وكان على اللغة العربية أن تجاري هذا الواقع الجديد، وتواجه واحدا من أشد وأخطر التحديات التي واجهتها اللغة العربية في العصر الحديث.
وظن أعداؤها أن هذا الواقع سيكون نهاية اللغة العربية، وأسقط في يد الكثير من أبنائها ظنا منهم أن لغتهم لن تقوم بما يتطلبه عصر العلم، حيث أخذت المصطلحات العلمية الجديدة تتدفق علينا من الغرب بغزارة كالنهر الهادر، لكن اللغة العربية خاضت ذلك التحدي، مزودة بقدرتها الذاتية الخارقة على التكيف والتلاؤم وتوليد المعاني وتطوير المصطلحات، وهو ما عرضنا له في مقال سابق، ومزودة بهمة وإخلاص الغيورين من أبنائها.
لقد انبرى أبناء العربية في كل بلادها يقومون بما يتوجب عليهم لحماية لغتهم، وحققوا في ذلك إنجازات مبهرة، قد لا يعرفها الكثيرون، من الذين ما فتئوا يشتكون من ضعف اللغة في مجال العلوم، وليس ذلك ذنب اللغة، ولا ذنب من عمل في نهضتها، ولكنه ذنب من لا يبحثون عما قام به العلماء واللغويون، ويتنكرون لتراثهم، وما زالوا منبهرين بعقدة (الخواجا)، ولم يقرؤوا تاريخ لغتهم، ولم يعرفوا عظمتها ومرونتها، ويحسبون أن الرطانة بلغة الغرب هي التقدم.

المؤسسات المتخصصة
هل تعلم عزيزي القارئ أنه يوجد أكثر من ثلاثين معجما علميا عربيا تغطي جميع فروع المعرفة، من طب وهندسة وفيزياء وكيمياء وغيرها، هي ثمرة جهود عشرات السنين من عمل المجامع اللغوية العربية، حيث نشأ في كل بلد عربي مع أوائل القرن الماضي مجمع لغوي، غايته حماية اللغة العربية، وتوليد الألفاظ الجديدة ولاسيما في مجال العلوم، وكان أولها المجمع اللغوي العلمي في العاصمة السورية دمشق، الذي تأسس عام 1919.
وحتى لا تتشتت جهود هذه المجامع، ويكون لكل بلد مصطلحاته العلمية، قامت هذه المجامع كلها بتأسيس (المكتب الموحد لتنسيق التعريب)، عام 1961 ومقره في المغرب، ويمكن من خلال موقعه الإلكتروني الحصول على تلك المعاجم والاطلاع على الكثير من النشاطات والكنوز اللغوية التي يقدمها ذلك المكتب.
وهل تعلم أن من جهود لجان المجامع اللغوية العربية ما قامت به لحنة المعجم العسكري العربي، التي وضعت وحدها في ذاك المعجم أربعين ألفا من الألفاظ والمصطلحات العسكرية. وهل تعلم أن الجمعية السورية للمعلوماتية قد أصدرت معجما للمصطلحات المعلوماتية، هو بحق موسوعة غاية في الإتقان، أشرف عليه فريق كبير من الدكاترة واللغويين، وكانت حصيلته ما يقرب من عشرة آلاف مصطلح معلوماتي وحاسوبي؟
وهل تعلم أن معجم المصطلحات الزراعية الذي وضعه الأمير مصطفى الشهابي يحتوي على تعريب عشرة آلاف مصطلح في هذا المجال؟ وكنا استعرضنا في مقال سابق موقع المعجم الطبي الموحد الذي أنجزه اتحاد الأطباء العرب، بالتعاون من منظمة الصحة العالمية.
هذا غيض من فيض من جهود الأفراد والمؤسسات، فماذا عن جهود الجامعات؟

الجامعات والتعريب
هل تعلم أن الجامعات السورية تدرس الطب والهندسة والصيدلة وجميع العلوم باللغة العربية، وذلك منذ تأسيسها، أي منذ ما يقرب قرنا من الزمان، وأن أساتذتها بالتعاون مع المجمع اللغوي في دمشق كانوا ولا يزالون يقومون وعلى مدى هذا القرن المديد بتعريب المصطلحات العلمية لكل الكليات، وأصبحت الكتب الجامعية السورية بمثابة كنز يحتوي على ما لذ وطاب من المصطلحات العلمية، وأثبتت تلك الجامعات قدرة لغتنا الفائقة على استيعاب العلوم.
يقول عضو مجمع اللغة العربية في الأردن الدكتور ناصر الدين الأسد إن "تعليم اللغة العربية في سوريا مدعاة لفخرنا جميعا حقيقة، ولا يجوز أن نظن أن التعليم باللغة العربية في الجامعات السورية قد أضعف التعليم التطبيقي أو العلمي، لأن كثيرا من الذين يتخرجون في الجامعات السورية يذهبون إلى الخارج فيتفوقون هنالك على قرنائهم من الأجانب، فالتعليم باللغة العربية لا يضعف المادة نفسها".

لغتنا والإعلام العربي
أما على الصعيد الإعلامي والجماهيري، فإن ما ينشر ويذاع ويبث من مواد علمية في وسائل الإعلام العربية المختلفة، المطبوعة والمرئية والمسموعة والرقمية، دليل لا يحتمل الشك على المقدرة الفائقة للغة العربية، للتعبير عن كل المجالات العلمية.
نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، مجلة "العلوم" التي تصدر في الكويت وهي ترجمة لمجلة "ساينس الأميركية"، ومجلة "العربي" الكويتية، التي تهتم منذ صدورها وحتى اليوم بنشر مواد علمية باللغة العربية، ومجلة "المعلوماتية" السورية، التي تختص بتقنية المعلومات والاتصالات، ومجلة "ناشيونال جيوغرافيك" الأميركية، وهي من أشهر وأهم المجلات العلمية في العالم، فلها طبعة عربية تصدر في الإمارات، وتتناول كل أنواع العلوم تقريبا، بلغة عربية سهلة سلسة لا يستعصي عليها أي مصطلح علمي.
على صعيد المحطات الفضائية هناك محطة "ناشيونال جيوغرافيك أبو ظبي"، التي تبث برامج علمية على مدار الساعة باللغة العربية، فلا يشعر المشاهد إطلاقا بأنها لغة غريبة عن العلم، بل يوقن بقدرة لغتنا الفائقة على التعبير، ومحطة الجزيرة الوثائقية، التي جعلت للعلم نصيبا كبيرا من برامجها، والمجد الوثائقية، وغيرها.
الأمثلة السابقة تدل بما لا يدع مجالا للشك على أن لغتنا العظيمة قد استطاعت أن تكون لغة العلم في الإعلام العربي، بأفضل أسلوب وأفصح كلام، دون أن ينقص ذلك من بساطتها وبلاغتها وقدرتها على التعبير.

ويستمر التحدي
وهنا قد يسأل السائلون: لماذا ما زال الكثيرون يعدون العربية عائقاً أمام تحصيلهم العلمي؟ ولماذا ما زال الكثيرون من الآباء يفضلون أن يعلموا أبناءهم في المدارس الأجنبية؟ ولماذا ما زالت معظم الجامعات العربية تدرس المواد العلمية باللغة الإنجليزية؟ ولماذا يضج اللغويون بالشكوى من الخوف على مستقبل اللغة العربية؟ ولماذا يشتكي بعض من يعمل في مجال العلوم من صعوبة الحصول على المصطلح العلمي باللغة العربية؟
الإجابة على ما سبق تنحصر في أمرين: الأول هو قصور الإرادة الحكومية الرسمية، والثاني هو عقدة النقص أمام كل أجنبي غربي، والتي يعاني منها كثيرون من أبناء قومنا، ومن آثارها توهمهم أن استخدام اللغة الأجنبية في مجال العلوم تقدم وحضارة، واستخدام العربية تأخر وتخلف.
إن من قصور الإرادة الحكومية، أن معظم الجامعات في العالم العربي تدرس المقررات العلمية بلغة أجنبية، وهذا لعمري أمر عجيب لا يكاد يوجد في غير بلادنا، أليس عجيباً أن لغة التدريس في الجامعات التركية والسويدية والإيرانية والفيتنامية والكامبودية والواقواقية (في بلاد الواق واق) هي لغات تلك البلاد القومية؟ وأنها في بلادنا هي لغات أجنبية؟
فهل اللغات التركية والفارسية والكمبودية وغيرها من لغات عباد الله أكثر مرونة واتساعاً، وأعرق تاريخاً وتجربةً، من لغة الضاد؟ وهل تلك الشعوب أكثر اعتزازاً بلغتها وهويتها من شعوبنا؟ ولماذا تقوم كل أمم الأرض بترجمة العلوم إلى لغاتها القومية وتدريسها بها، بينما في بلادنا العربية نريد من أبنائنا أن يتعلموا لغات أجنبية حتى يتمكنوا من تعلم العلوم؟ أليس هذا عكس لمنطق الأمور؟

دور الجامعات
لقد أدركت دول العالم كلها حقيقة بديهية معروفة، وهي أن أي إنسان يكون أوسع استيعاباً وأسهل تعلماً وأكثر إبداعا وأعمق فهماً إذا تعلم بلغته الأم، حتى إن روسيا لم تفرض اللغة الروسية على جمهوريات الاتحاد السوفياتي، قبل تفكك ذلك الاتحاد، وأبقت مناهج التعليم العلمي لكل جمهورية بلغتها القومية.
فلماذا لا نرى إذن الدول العربية تفرض بقرارات سيادية أن تكون العربية هي لغة التعليم العلمي في الجامعات؟ علماً أن الأرضية العلمية واللغوية لمثل هذا القرار متوفرة، وهي الجهود العظيمة في تعريب العلوم من معاجم متخصصة ووسائل إعلام ومراكز تعريب وغير ذلك من جهود قام وما زال يقوم بها الأفراد والمجامع والمؤسسات المتخصصة، بالإضافة إلى تجربة جاهزة ناجحة هي التجربة السورية، والتي من ثمراتها مناهج جامعية كاملة معربة في كل فروع التعليم الجامعي، يمكن الاستفادة من كنوز المصطلحات العلمية الهائلة التي أضافتها على مر قرن من الزمان.
إن قراراً عربياً حكومياً واحداً بفرض التعريب على تعليم العلوم في الجامعات، كفيل بأن يُحدث انقلابا هائلا في حاضر اللغة العربية، لتعود كما كانت دائماً لغة علم وتقنية، ولتصبح المصطلحات العلمية المعربة جزءا من الذخيرة اللغوية لأبناء الضاد، فليس عليهم أن يعانوا بعد ذلك في البحث عنها، ويكون من توابع هذا القرار، أن يكون استخدام المصطلحات التي أنتجتها المجامع والهيئات والمؤتمرات اللغوية إلزامياً، وإلا فإن الجهود العظيمة التي بذلتها (على بعض القصور فيها، وهذا ما لا ننكره)، ستكون ضعيفة التأثير، إذ ما فائدة كل هذه الجهود ما لم تكن مدعومة بسلطات تنفيذية تتبنى جعل المقررات والتوصيات واقعاً ملموساً؟
كما أن الحكومات وحدها هي من بيدها تطوير مناهج تدريس اللغة العربية في المدارس، لأن تلك المناهج قد أكل الدهر عليها وشرب، ولم تعد تصلح لتحبب الطلاب بلغتهم، وتجعلهم يتمسكون بها ويتعلقون بجمالها ويعتزون بإتقانها، بل جعلت درس العربية درساً ثقيلا على النفوس لأنها تُدرَّس وكأنها رياضيات ومنطق وقواعد، وليست فناً وإبداعاً ووسيلة تعبير، وهذا حديث ذو شجون ليس هنا مجال التفصيل فيه.

المسؤولية الفردية
ولكن، هل عدم تحرك الحكومات في هذا الاتجاه يعفي الأفراد من مسؤولياتهم؟ إنني بصفتي من أبناء الضاد لا أحتاج إلى قرار حكومي إذا ما أردت أن أربي أولادي على حب لغتهم والاهتمام بها وتذوق حلاوتها، وتنزيه اللسان عن خلطها بغيرها، وأن أزرع في نفوسهم أنها لغة أدب وعلم وثقافة وتقنية، ولن أعدم الوسائل لذلك، وأول شيء علي أن أقوم به هو أن لا أرسلهم إلى مدارس تعلم العلوم باللغة الأجنبية.
فإن قيل: ولكن الجامعات تعلم العلوم بلغات أجنبية؟ أقول: لقد نشر الكاتب فهمي هويدي دراسة قامت بها مراكز بحثية مصرية، اختارت عشوائيا 1500 طالب مصري، وتابعتهم من أول المرحلة الإعدادية، إلى نهاية المرحلة الجامعية، فوجدوا أن من درس العلوم في المدارس الحكومية التي تعلم بالعربية، كانوا هم أصحاب أعلى الدرجات في الجامعات، وكانوا هم من أكثر الخريجين نجاحا في حياتهم العملية، وتفوقوا بشكل واضح على الذين درسوا الإعدادية والثانوية في مدارس تعلم العلوم باللغة الإنجليزية أو الفرنسية.
وسبب ذلك - كما تقول الدراسة - أن من يكون متمكنا من لغته الأم ومن يدرس بها كل المواد، يصبح لديه ملكة لغوية أصيلة، تجعل من السهل عليه أن يتقن لغات أخرى، وأن يتابع الدراسة الجامعية بتلك اللغات، ويكفيه من اللغة الأجنبية أن يدرسها كمادة من مواد دراسته الإعدادية والثانوية، ثم أقصى ما يحتاجه بعد ذلك (إن احتاج) دورة تقوية قصيرة قبل دخول الجامعة.
أما من يتعلم العلوم بغير لغته الأم في المراحل قبل الجامعية، فيفقد تمكنه بلغته الأم، ويضيع قدرته على التعبير فيها، فتضعف ملكته اللغوية بشكل عام، ومن جهة أخرى لا يستوعب العلوم في هذه المرحلة بشكل جيد لأنها تقدم له بغير اللغة التي نشأ عليها قبل المدرسة، فيصل أغلب هؤلاء إلى الجامعة، بملكة لغوية ضعيفة، وزاد علمي مضطرب، وهذا سر تفوق أولئك (الدارسون بالعربية) على هؤلاء.
أخيرا أقول: لا يفهم أحد من كلامي أني ضد تعلم لغات أخرى، بل إني أحث على ذلك وأحض عليه، ولكن هناك فرق كبير بين أن نتعلم (لغة) أجنبية، وأن نتعلم (بلغة) أجنبية.
أرأيتم كم هو عظيم حرف الباء عندما يدخل على الاسم فيغير معنى الجملة تماماً؟ لله در لغتنا ما أعظمها!

فداء ياسر الجندي : كاتب وباحث ومترجم سوري في تقنية المعلومات

المصدر : الجزيرة.نت




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عيد الفطر المبارك

الأبعاد الاجتماعية في قصة فداء إسماعيل عليه السلام

Situasi semasa jangkitan influenza

الهجرة النبوية الشريفة

صالة عرض