استقبال رمضان
اسْتِقبَالُ رَمَضَانَ
بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيم
قَالَ عزَّ وجَلَّ: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]
وَقَالَ تعَالى: {يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى
الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183[
فَقَد رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- أنّه كَانَ يَقُول: (أَتَاكُم شهرُ رَمَضَانَ، شَهرٌ مُبارَكٌ، فَرَضَ اللهُ عَلَيكُم صِيَامَه، تُفتَحُ فِيهِ أَبوَابُ الجَنَّةِ، وتُغلَقُ فِيهِ أَبوَابُ الجَحِيم، وتُغَلُّ فِيه مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، وَفِيهِ لَيلَةٌ هِيَ خَيرٌ مِن أَلفِ شَهرٍ، مَن حُرِمَ خَيرَها فَقَد حُرِمَ) [صحيح الجامع: 55]
فإنَّ صِيَامَ شَهرِ رَمَضَان مِنَ الفَرَائِضِ التي فَرَضَها اللهُ عزَّ وجَلَّ وهُوَ رُكنٌ مِن أَركَانِ الإسْلام، في الحَدِيث المُتَّفَقِ عَلَيه مِن حَدِيثِ ابنِ عُمر -رضِيَ اللهٌ عنهما- أنَّ رَسُولَ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قَال: (بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمسٍ: شَهَادَةِ أنْ لَا إِلهَ إلّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَدًا رَسُولُ اللهِ، وإِقَامِ الصَّلاةِ وإِيتَاءِ الزَّكاةِ وحِجِّ البَيتِ وصَومِ رمَضَان) [سنن الترمذي: 2609]
فَهذِه رِسَالَةٌ في كَيفِيَّةِ اسْتِقْبالِ رَمَضَان وطُرُقِ اسْتِثمَار أَوقَاتِهِ في طَاعَةِ اللهِ وَالقِيَامِ لَه عزَّ وجَلَّ، نَسْأَلُ اللهَ أنْ يَتَقَبَّلَ مِنَّا صَالِحَ الأعْمَال، وصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلَّم.
فمَا هُوَ استِعدَادُنا لِرَمَضَان؟
نَستَعرِضُ فِيمَا يَلِي بَعضَ الكَيفِيَّات التي تُسَاعِدُ المُسلِمَ علَى اسْتِقبَال
رَمَضَانَ وأيَّامَه، واغْتِنَامَ أَجرِهِ وثَوَابِه.
1- الحَمْدَ والشُّكرَ لله - سُبحَانَه
وتعَالى: يَنبَغِي لِلعَبدِ الإكثَارَ مِن حَمْدِ الله، وشُكرِه، ومِمَّا يَدُلُّ علَى فَضْلِ صِيامِ رَمَضَانَ مَا رُوِيَ عَن أَبِي هُرَيرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنه: (كان رجلانِ من
بَلِيٍّ حَيٍّ من قُضَاعَةَ أسلَمَا مع النبيِّ صَلَى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، واسْتُشهِدَ أحَدُهما، وأُخِّر الآخَرُ سَنَةً، قَال طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ: فأُريتُ
الجَنَّةَ، فَرَأَيْتُ المُؤَخَّرَ مَنهُما، أُدخِلَ قَبلَ الشَّهيدِ، فتَعَجَّبتُ لِذلِك، فأصبَحْتُ،
فذَكَرْتُ ذلِكَ لِلنَّبِيِّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسَلَّمَ، أو ذُكِرَ ذلِك لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ: أَلَيسَ قَد
صَامَ بَعدَه رَمَضَانَ، وصَلَّى سِتَّةَ آلافِ رَكعةٍ، أو كَذَا وكَذَا رَكْعَةً صَلاةَ السَّنَةِ ) رواه الإمام أحمد، ]مسند أحمد الصفحة
أو الرقم: 16/170[، إسناده صحيح.
2- إخلاصَ النِّيَّة للهِ - سُبحَانَه وَتعَالى: فَلا بُدّ مِنِ اسْتِقبَالِ شَهرِ رَمَضَانَ بِتَجدِيدِ النِّيَّة،
وعَقْدِ العَزمِ على استِغلالِ الأوقَاتِ المُباركة؛ وذلِكَ بالتزام الطَاعَات، واجتِنَابِ المَعَاصي والسَّيِّئَات، وتَطهِيرِ القُلُوب، والتَّوبَةِ الصَّادِقَة، لا سِيَّمَا أنَّ اللهَ -سُبحَانَه
وتَعَالى- يَجزِي العَبدَ علَى نِيَّتِه؛ إذ رُويَ عَن رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ علَيه وسَلَّمَ-، أنّه
قَالَ: (إنَّما الأعْمالُ بالنِّيّاتِ، وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) رواه البخاري، ]صحيح
البخاري الرقم: 1[، صحيح.
فإِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ المَغفِرَة قالَ تَعَالى: }قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ{ ]الزمر: 53]
ها هُو رَمَضانُ يَلُوحُ ويَقتَرِبُ، وأَعنَاقَ المُذنِبِينَ تَشرَئِبُّ، وَهَا هِيَ التَّوبَةُ مَعرُوضَةٌ ومَوَاسِمُ الطَّاعَاتِ مَشهُودَة، فَلَئِن كُنتَ قَد أتعَبَتْكَ المَعَاصِي وأَثقَلَتْكَ الذُّنُوبُ فَاعْلَم أنَّ لَكَ رَبّاً يُرِيدُكَ أَنْ تَتُوبَ }وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً{ ]النساء: 110[
وفي الحَدِيثِ: )يَا ابْنَ آدَم إنَّكَ مَا دَعَوتَني ورَجَوتَني غَفَرتُ لَكَ علَى مَا كانَ مِنكَ وَلا أُبَالِي ) ]صحيح الجامع: 4338]
4- شُكرَ نِعمَةِ بُلُوغِ رَمَضَانَ: فَعَلَيكَ أَنْ تَشكُرَ اللهَ علَى نِعمَةٍ عَظِيمَةٍ أَسدَاها إلَيكَ، بِأَن مَدَّ في عُمرِكَ حتَّى تَستَفِيدَ مِن هذَا الشَّهرِ بِأَنواعِ الطَّاعَات المُختَلِفَةِ والقُرَبَاتِ المُتَنَوِّعَة، فَكَم مِن قُلُوبٍ اشْتَاقَت إلى لِقَاءِ رَمَضَانَ لكِنَّ أَصبَحَت تَحتَ التُّرَاب، وَكَم مَن مَرضَى وأَسرَى عَلَى الأُسرَة البَيضَاءِ لا يَستَطِيعُونَ الصِّيَامَ وَالقِيَام، فَالحَمدُ لِلَّهِ علَى نِعمَةِ الحَيَاةِ وَالصِّحَّةِ وَالعَافِيَة، فَإِذا عَرفَ العَبدُ هذِه النِّعمَةَ وَشَكَرَها، حَفظَها اللهُ. كمَا قَالَ أَحَدُ السَّلَف "قَيِّدُوا نِعَمَ اللهِ بِشُكرِ الله".
فَإِذا أَنعَمَ اللهُ عَلَى العَبدِ بِنِعمَةٍ فَاستَخدِمها في طَاعَتِه وَشُكرِه عَلَيها، حَفظَها لَه وَزَادَ لَهُ فِيهَا، وَإِذا لَم يَشكُرها أوِ اسْتَخدَمَها في مُعصِيَتِه، سَلّبَها مِنهُ وقَلّبَها علَيه نِقمَةً وعَذَاباً.
5- تَعَلُّمَ أحْكامِ رَمَضَان: عِندَ بِدَايَةِ الشَّهرِ تَعَلُّمَ مَا لابُدَّ مِنه مِن فِقهِ الصِّيَام، وأَحكَامِهِ وَآدَابِه، وَالعِبَادَاتِ المُرتَبِطَةِ بِرَمَضَانَ مِنِ اعتِكافٍ وَعُمرَةٍ وَزَكاةِ فِطرٍ وَغَيرِها لِقَولِه صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: (طَلَبُ العِلمِ فَرِيضَةٌ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ) ]صحيح الجامع: 3914[
6- العَزمَ والهِمَّةَ العَالِيَة: عَقدُ النِّيَّة والعَزمِ الصَّادِقِ والهِّمَّةِ العِالِيَةِ علَى صَلاحِ القَولِ وَالعَمَلِ والاجْتِهادِ في الطَّاعَةِ وَالذِّكرِ وَتَعمِيرِ رَمَضَانِ بالأَعمَالِ الصَّالِحَة، وإِعطَاءِ الصِّيَامِ والقِيَامِ حَقَّه، قَالَ تعَالى: }فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ{ ]محمد: 21]
ومَا عزَمَ عَبدٌ عَلَى طَاعَةِ اللهِ وَنَوَى بِقَلبِه أنْ يُؤَدِّيها فَحَالَ بَينَه وَبَينَها حَائِلٌ إلا بَلَغَه أجرَها. وَكَم مِن أُناسٍ مَاتُوا في أَوَائِل رَمَضَانَ. هَنِيئاً لّهُم إِن كَانُوا عَقَدُوا النِّيَّةَ الصَّالِحَةَ في أَوَّلِ الشَّهرِ عَلَى الطَّاعَةِ وَالاجْتِهادِ، فأخلَصَ للهِ عَزّ وَجَلّ في العِبَادَةِ وَالنِّيَّةِ فَإِنَّكَ لا تَدرِي مَتَى سَتَمُوتُ وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ يُعطِي العَبدَ مِنَ الخَيرِ علَى قَدرِ نِيَّتِهِ وإِخلاصِه.
7- أيّامَ مَعدُودَات: استِحضَارِ أنَّ رَمَضَانَ كَمَا وَصَفَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أيّامَ مَعدُودَات، سُرعَان مَا يُوَلّي، فَهُوَ مَوسِمٌ فَاضِلٌ وَلَكنَّه سَرِيعُ الرَّحِيل، واسْتِحضَارُ أنَّ المَشَقَّةِ النَّاشِئَةِ عَنِ الاجْتِهَادِ في العِبَادَةِ تَذهَبُ أيْضاً، يَبقَى الأَجْرُ وَانْشِرَاحُ الصَّدرِ، فَإِنْ فَرّطَ الإِنْسَانُ ذَهَبَت سَاعَاتُ لَهوِهِ وَغَفلَتِه، وَبَقِيَت تَباعُها وَأوزَارُها! وعَن قَرِيبٍ وَبَعدَ غَد نَلتَقِي في العِيْد -إنْ شَاءَ الله- وَقَد مَرَّ رَمَضانُ كَالبَرقِ، فَازَ مَن فازَ وخَسِرَ مَن خَسِر!
8- استِلهامَ المَوَاعِظِ والعِبَرِ مِن ذلِكَ الشَّهرِ المُبارَكِ: فَتَتَذَكَّرُ بِصِيَامِه الظَمأَ يَومَ القِيَامَة، وَمَا أَشبَهَ الدُنيَا بِنَهَارِ رَمَضَانَ وَالآخِرَة بِسَاعَةِ الإِفطَار، وَمَا أَجمَلَ الفَرحَة عِندَ الإفْطَار، ومَا أحْلاها عِندَ أَخذِ الكِتَابِ بِاليَمِينِ وصَدَقَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَالسَلَّمَ القَائِل: لِلصَّائِمِ فَرحَتَانِ، فَرحَةٌ حِينَ يَفْطُر، وفَرحَةٌ حِينَ يَلقَى رَبَّه) ]صحيح الترمذي: 766]
فهلّا جَعَلنا حَيَاتَنا صَومَ عَنِ المَعَاصِي وَالشَّهَوَات، وَإفْطَارَنا عِندَ اللهَ يَومَ القِيَامَة. وَتَتَعَوّدُ في نَهَارِ رَمَضَانَ عَلَى الصَّبرِ وَالاجْتِهَادِ وتَزهَدُ فِي الحَلالِ لِتَتَعلَّمَ كَيفَ تَزهَدُ في الحَرَامِ بَعدَ رَمَضَانَ، وَتَتَعَلّمَ الإِخْلاصَ لأنَّ الصِيَامَ سِرٌّ بَينَ العَبدِ وَرَبِّه، فَلا نَترُكُ الإِخْلاصَ في كُلِّ حَرَكاتِنَا وَسَكَنَاتِنا، فَإِذَا خَرَجْنَا مِن بُيُوتِنَا لِصَلاةِ القِيَامِ يَنبَغِي أَن نَخلِصَ للهِ، وألَّا يَكُونُ فِي قُلُوبِنَا إِلَّا الله، فبِهذِهِ النِّيَّةِ فَقَط تُرفَعُ الدَّرَجَاتُ وتُمحَى السَّيِّئَات.
وَنَتَذَكَّرُ في رَمَضَانَ بِصَومِنا إِخوَانَنَا المُسلِمِينَ البَائِسِينَ المَحرُومِينَ الذِينَ يَصُومُونَ طَوَالَ حَيَاتِهِم بِفَقرِهِم. فَتَنبَعِثُ مِنَ القَلبِ بَواعِثَ الجُودِ وَالكَرَم.
9- لِلقَائِمِينَ الذِينَ يَرجُونَ رَحمَةَ رَبِّ العَالَمِينَ: احْرِصْ عَلَى الاجْتِهَادِ في القِيَامِ وَإِيَّاكَ أنْ تَمِلَّ مِن طُولِ القِيَامِ، سَاعَاتٌ قَصِيرَةُ وَيَنتَهِِي رَمَضَان، فَازَ فِيهِ مَن فَازَ وَخَسِرَ فِيهِ مَن خَسِر، وَكَم مِن إِمَامٍ بَحَثتَ عَنهُ لِقَصرِ صَلاتِهِ بَاعِدٌ بينَك وبَينَ الجَنَّةِ وأنتَ لا تَدرِي، فِلا تَبخَلُ عَلَى نَفسِكَ الخَيرَ، فَهذَا مِن عَلامَاتِ الحِرمَان، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلّّمَ: (مَن قَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً واحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ) ]صحيح النسائي: 2205[ وقال أبو ذر رضي الله عنه: "قُمنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حتَّى خَشِينَا أنْ يَفُوتَنَا الفَلاحُ، أيْ الفَجْرُ".
10- قِراءَةَ القُرآنِ في شَهرِ القُرآن: وأمَّا القُرآنُ فَلا تَترُكهُ مِن يَدِكَ إنِ استَطَعتَ فَالصِّيامُ وَالقُرآنُ يَشْفَعَانِ لِلعَبد يَومَ القِيَامَةِ فَقَد كَانَ بَعضُ السَّلَفِ يَخْتَمُّ فِي قِيامِ رَمَضَانَ في كُلِّ ثَلاثِ لَيَالٍ وبَعضُهُم فِي كُلِّ سَبعٍ وبَعضُهم في كُلِّ عَشر، وَكَانَ إمَامُ مَالِك إِذَا دَخَلَ رَمَضَانَ يَفِرُّ مِن قِراءَةِ الحَديثِ ومُجَالَسَةِ أَهْلِ العِلمِ ويُقبَلُ عِلىِ تِلاوَةِ القُرآنِ مِنَ المَصحَف، وَكَذَا سُفيَانَ الثَّورِيّ وَكَانَ الأَسوَدُ يَقرَأُهُ كُلَّهُ فِي لَيلَتَينِ وَكَانَ لِلشَّافِعِيّ سِتُّونَ خَتمَةً في رَمَضَان.
11- الاعْتِكافَ وَليلَةَ القَدر: احْرِصْ عَلَى الاعْتِكَافِ وَالاجْتِهَادِ في العَشرِ الأوَاخِرِ تَحَرِّيًا لِلَّيلَةِ القَدر. قَالَ الإِمَامُ الزَّهرِيّ :"عَجَباً للمُسلِمِينَ تَرَكُوا الاعْتِكَافَ مَعَ أنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم مَا تَرَكَهُ مُنذُ قَدمِ المَدِينَةِ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلّ".
12- الأذكارَ: الاجْتِهَادُ في حِفظِ الأَذْكَارِ وَالأَدعِيَّةِ المُطلَقَةِ مِنهَا وَالمقَيَّدةِ وَخَاصَةً المُتَعَلِّقَةِ بِرَمَضَان، اسْتِدعَاءً لِلخُشُوعِ وَحُضُورِ القَلب، واغتِنَاماً لأَوقَاتِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ في رَمَضَانَ، والاسْتِعَانَةُ عَلَى ذَلِك بِدُعَاء: "اللَّهُمَّ أَعِنّي علَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبادَتِك".
وهذِهِ بَعضُ الأذكارِ الثَّابتَةِ المتَعَلِّقَةِ بِوظَائِف رَمَضَان:
• كانَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يقُولُ إذا رَأَى الهِلالَ: (اللَّهُمَّ أهِلَّهُ عَلَينَا باليُمنِ والإيمَانِ وَالسَّلامَةِ والإِسلامِ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ) [مُسند أحمد: 2|366]
• كانَ إِذَا رَأَى القَمَرَ أَمَرَ السَّيِّدةَ عَائِشَةَ: (استَعِيذِي بِاللهِ مِن هذَا يَعنِي القَمِرَ إنَّه
الغَاسِقُ إذَا وَقَب) [السلسلة الصحيحة: 372]
• وكانَ إذَا صَامَ فَأَرادَ الفِطرَ دَعَا وَقَال: (ذَهَبَ الظَمأُ وابتَلَّتِ العُروقُ وثَبَتَ الأَجرُ إِن شَاءَ اللهُ) [سُنن
أبي داود: 2357]
• وكانَ ابنُ عُمَر رَضِيَ اللهُ عَنهُما يَقُولُ عِندَ فِطرِه: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِرَحمَتِكَ الّتِي وَسِعَت كُلَّ شَئ أَنْ تَغفِرَ لِي".
13- احذَارَ الذُّنُوب: احذَرُ نَفسِي وإيَّاكَ مِن صَغَائِرِ الذُّنُوبِ في رَمَضَان، لأنَّ العِصيَانَ في هذَا لَيسَ كَسَائِرِ الشُّهُور وذلِك لِحُرمَتِه وَمَكانَتِه بَينَ الشُّهُور!
وَكَيفَ تَتَقَرَّبُ إلى اللهِ بِتَركِ المُبَاحِ ثمَّ تَنظُرُ إلى الحَرَام،
وتَتَكَلَّمُ بِالحَرَام، وتَستَمِعُ إلى الحَرَام؟!
جَدوَلُ يَومِيُّ فِي رَمَضَان
أخي الحَبِيب: احْرِص عَلَى هذَا الجَدوَلِ اليَومِيِّ لتَحصُلَ عَلَى
أكبَرَ قَدرٍ مِنَ الحَسَنَاتِ واللهُ يُوَفِّقُنِي وإيَّاكَ...
1- الإِقْلالِ مِنَ الكَلامِ مَعَ النَّاسِ إلّا في الذِّكرِ وَتِلاوَةِ القُرآنِ.
2- احْرِص عَلَى الجُلُوسِ أكبَرَ وَقت مُمكِن في المَسجِد.
3- أكثرَ مِنَ الصَدَقَةِ في رَمَضَانَ؛ فأَفضَلَ الصَّدَقَة
في رَمَضَانَ وَمَن أَفطَرَ صَائِماً كَانَ لَهُ مِثلُ أَجرِهِ مِن غَيرِ أَنْ يَنقُصَ مِن أَجرِهِ شَيْئًا.
4- لَا تَكثُر مِنَ الأَكْلِ عِندَ الإِفطَار حتَّى
تَستَطِيعَ القِيَامَ واجْعَل وَجْبَتَكَ الرَّئِيسِيَّةَ بَعدَ صَلاةِ التَرَاوِيحَ لتَنَامَ بَعدَها قَلِيلاً، واحْرِص
عَلَى سَاعَةِ القَيلُولَةِ ولا تَجهَد نَفسَكَ نَهَارًا بِمَا لا يُفيدُ لِتَستَطِيعَ قِيَامَ اللَيل.
5- لا تَكثُر مِنَ النَّومِ في رَمَضَان؛ فَإِنَّ كَثرَةَ النَّومِ تَترُكُكَ فَقِيرًا مِنَ الحَسَنَات، وَسَوفَ يَنتَهِي رَمَضَان وَأَينَ هِيَ رَاحَةُ أولئِكَ وَتَعِبَ هؤُلاءِ؟!
ذَهَبَت ومَا بَقِيَت إلا الحَسَنَاتِ أوِ السَيِّئَات، واعْلَم أنَّ مَقَامَكَ في الدُّنيَا قَلِيلٌ والمَكثَ في القَبُورِ طَوِيل.
وأخِيراً ... لِتَكُن عَالِي الهِمَّةِ في العِبَادَةِ والتَّقوَى والخَشيَة والإِنَابَةِ والصِّيَام والقِيَام وتِلاوَةِ القُرآنِ والدُّعُاءِ والدَّعوَةِ وإنِ اسْتَطَعتَ ألَا يَسبِقُكَ إلى اللهِ أحَدٌ فافْعَل. قِيلَ لِلإِمَامِ أَحمَد :"متَى يَجِدُ العَبدُ طَعمَ الرَّاحَة؟" قَالَ :"إِذَا وَضَعَ قَدَمَهُ في الجَنَّة".
وَقَد أجمَعَ العُقَلاءُ أنَّه
لَا سَعَادَةَ لِمَن لا هَمَّ لَه ولا رَاحَةَ لِمَن لَا تَعِبَ لَه، وأَنَّ مَن آثَرَ الرَّاحَةَ فَاتَتْهُ الرَّاحَة،
فاتْعَب قَلِيلاً لِتَستَرِحَ طَويلاً واصْبِر قَلِيلاً مِنْ أَجْلِ الجَنَّة.

تعليقات
إرسال تعليق